ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

266

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين ، وفي كلامه هذا مطابقة حسنة ؛ فإنه نقل الاسمين إلى ضدهما ، فقال في سعيد : شقي ، وفي جبير : كسير وهذا النوع من الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات . ومما وجدته في لغة الفرس أنه لما مات قباذ أحد ملوكهم قال وزيره : حرّكنا بسكونه . وأول كتاب الفصول لأبقراط في الطب قوله : العمر قصير ، والصناعة طويلة . وهذا الكتاب على لغة اليونان . ومن كلامي في هذا الباب ما كتبته في صدر مكتوب إلى بعض الإخوان ، وهو : صدر هذا الكتاب عن قلب مقيم وجسد سائر ، وصبر مليم وجزع عاذر ، وخاطر أدهشته لوعة الفراق فليس بخاطر . وكذلك كتبت إلى بعض الإخوان أيضا ، فقلت : صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس بلقائه ، وطرف مستوحش لفراقه ، فهذا مروّع بكآبة إظلامه ، وهذا ممتنع ببهجة إشراقه ، غير أن لقاء القلوب لقاء عنيت بمثله خواطر الأفكار ، وتتناجى به من وراء الأستار ، وذلك أخو الطّيف الملمّ في المنام ، الذي يموّه بلقاء الأرواح على لقاء الأجسام . ومن هذا النوع ما ذكرته في كتاب أصف المسير من دمشق إلى الموصل على طريق المناظر ، فقلت من جملته : ثم نزلت أرض الخابور فغرّبت الأرواح وشرّقت الجسوم ، وحصل الإعدام من المسار والإنزال من الهموم ، وطالبتني النفس بالعود والقدرة مفلسة ، وأويت إلى ظل الآمال والآمال مشمسة . ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب إلى بعض الإخوان ، وعرضت فيه بذكر جماعة من أهل الأدب ، فقلت : وهم مسؤولون ألّا ينسوني في نادي فضلهم الذي هو منبع الآمال ، وملتقط اللآل ، فوجوه ألفاظه مشرقة بأيدي الأقلام المتسودة ، وقلوب معانيه مستنبطة بنار الخواطر المتوقدة ، والواغل إليه يسكر من خمرته التي تنبه العقول من إغفائها ، ولا يشربها أحد غير أكفائها .